هل نمارس العقلنة البرلمانية أم نقيدها؟

بناء على الأوامر السامية لحضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله- يفتتح مجلس عُمان الدور الانعقادي الرابع الشهر المقبل وسوف تنطلق أعمال مجلس الشورى للفترة البرلمانية الثامنة، وسط آمال معقودة عليه لتحقيق المزيد من التقدم في ممارسة أعماله في الجوانب التشريعية والرقابية التي نص عليها النظام الأساسي للدولة والتشريعات الخاصة بمجلس عُمان.

فهذه التجربة نتاج إحدى مكونات النهضة العُمانية التي نفتخر بها، وعلينا الحرص على تطورها وإتاحة المجال لممارسة الصلاحيات المتاحة لها في الأطر والتشريعات المنظمة لها، وفي إطار تكامل السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية وغيرها من أجهزة الدولة في إدارة دفة الأمور في البلاد تجسيدا لدولة المؤسسات والقانون التي رسخ دعائمها حضرة صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم- حفظه الله ورعاه- بالتدرج الذي أسهم في الحفاظ على خصوصية التجربة ومنطلقاتها المتينة.

ولاشك أن الاهتمام بالتجربة البرلمانية في البلاد وتعزيزها ينطلق من العديد من الثوابت التي يجب الحرص على استمرار زخمها كجزء من معطيات التنمية في البلاد التي تأخذ حيزا من الاهتمام وتشهد تطورا متسارعا كما ونوعا في العديد من الميادين التنموية، فالمشاركة في صنع القرار السياسي في البلاد جزء لا يتجزأ من منظومة العمل التنموي التي يجب أن نكون أكثر حرصا على تطورها أيضا، بحيث تتواكب مع التطور التنموي الذي تشهده البلاد والتطورات الديمقراطية التي يشهدها العالم وتمكين المجتمع من المشاركة الفعالة في العمل البرلماني.

لا ننكر أن هناك تطورا ملحوظا في المشاركة في صنع القرار في البلاد وفق منظومة متكاملة ابتداء من مجلس عُمان بشقيه الدولة والشورى والمجالس البلدية ومؤسسات المجتمع المدني وغيرها من محاضن المشاركة السياسية، إلا أن ذلك لا يعني أن لا تتم مراجعة مسار عمل هذه المؤسسات وتقييم عملها لإعطائها زخما جديدا وتعزيز الثقة في عملية المشاركة من جانب شرائح المجتمع والإسهام الفاعل للمؤسسات البرلمانية في ممارسة دورها، وعدم تقليص أدوارها أو تقييدها بعدم تمكينها من استخدام الأدوات البرلمانية الهادفة إلى ممارسة صلاحياتها التي أتاحها النظام الأساسي للدولة والأنظمة المنظمة لعمل المجالس على الأقل.

فهذه التجارب تمر على ما يبدو بمنعطفات حادة خاصة في المرحلة الراهنة إذ نراها تقف بين مطرقة المجتمع وسندان أجهزة الدولة عبر هشاشة التعاون بينهما والذي ينبغي أن يتناغم بسلاسة وبنحو يحقق الأهداف ويلبي أرتال الطموحات.

كل ذلك ينعكس بالطبع على مجمل التجربة وعمق التجاوب معها في العديد من الجوانب لعل من أهمها عدم الرضا عن الأداء البرلماني ومن مظاهره العزوف عن المشاركة الانتخابية من جانب المواطنين وعدم ترشح الكفاءات لعضوية المجلس إلى غير ذلك من تداعيات أفرزتها المراحل الماضية وأسهمت في تشكيل رؤية غير إيجابية عن دور المؤسسات البرلمانية وفعاليتها ودور الأعضاء في مجلس الشورى.

فتقييم المراحل الفائتة من كافة الجوانب من خلال منظور وطني ومتخصص وعلى ضوء المؤشرات الانتخابية للفترات السابقة، ومدى جدية التفاعل المجتمعي بشكل دقيق وفاعلية الأداء البرلماني كلها أدوات مهمة في الحفاظ على التطورات التي قطعتها السلطنة في المشاركة السياسية والإسهام في تدعيم هذه التجربة في المشاركة كأحد دعائم الدولة.

فاليوم ليس هناك قصور في الصلاحيات والأدوات البرلمانية التي يمكن أن يمارس بها أعضاء مجلس الشورى دورهم ومسؤولياتهم، ولكن هناك عدم تعاط وتجاوب مع الصلاحيات والأدوات، حتى تلك التي نص عليها النظام الأساسي للدولة ولو على سبيل التمثيل على الأقل، فالكثير من هذه الأدوات لم تستخدم في فترات المجلس السابقة، كالبيانات العاجلة وطلبات الإحاطة والرغبات المبداة والأسئلة البرلمانية وطلب المناقشة والبيانات الوزارية ولجان تقصي الحقائق والاستجواب، فهذه الأدوات للأسف لم تستخدم كلها من مجلس الشورى مما يظهر وجود قصور في أداء دوره.

على سبيل المثال في الفترة البرلمانية السابعة والثامنة (الحالية) لم نشهد اقتراحا لسن قوانين رغما عن أنها أحدى الصلاحيات الممنوحة له وفق المرسوم السلطاني رقم 99/2011 وكذلك استجواب الوزراء، إذ لم تفلح محاولات المجلس في استجواب الوزراء رغما عن أن المادة 85 مكرر 43 أتاحت له ذلك من خلال توفر النصاب القانوني المحدد بتقدم 15 عضوا لطلب الاستجواب باعتباره أقوى الأدوات التي يملكها المجلس ولم يستخدمها لأمور كثيرة منها عدم التعمق في العمل البرلماني والحكومي للكشف عن التجاوزات وضيق نطاق الاستجوابات في مخالفات الوزير بتجاوز صلاحياته، وهناك بعض الأدوات البرلمانية على ما يبدو لم تستخدم كمقارنات عددية.

الحقيقة أن الجميع يشترك في الارتقاء بمجلس الشورى والنهوض به إلى ما نتطلع إليه جميعا سواء من الجهات التشريعية نفسها كالمجلس وأمانته أو الأعضاء والأجهزة الحكومية والمجتمع، فكل هذه الجهات عليها مسؤوليات كبيرة في النهوض بهذه التجربة كل في اختصاصه ومسؤولياته، فتعاون هذه المؤسسات والأفراد في تطور مجلس الشورى وتعزيزه، في خضم المتغيرات المتسارعة التي تشهدها البلاد والعالم مسألة ذات أهمية تسهم في الحفاظ على هذه التجربة وتطورها وعدم فقدانها للرونق الذي حظيت به في السنوات الفائتة.

هناك اتجاهات تسمى بالعقلنة البرلمانية وترشيدها على ضوء الظروف والمتغيرات المتلاحقة التي تشهدها الدول والظروف السياسية في المنطقة وغيرها من الإشكاليات المفضية لضرورة التروي، إلا أن ذلك على ما اعتقد لا ينطبق على تجربتنا التي ما زالت في مراحلها الأولى وفي طور التشكل الذي لم يتجاوز الأطر المحددة، بل لم تمارس الصلاحيات والأدوات المنصوص عليها في الأطر والتشريعات.

بالطبع مسألة تقييم التجربة من كافة الجهات المسؤولة ذات أهمية للوصول للصيغة المثلى لما يجب أن يكون عليه الحال، وتحديد الأدوار المنوطة بها، والتيقن من الخيارات المتاحة لكي نعمل جميعا على الإسهام في تطويرها كأحد المرامي التي نهدف إليها.

نأمل في تقييم هذه التجربة وخاصة في الفترتين السابعة والثامنة التي تلت المرسوم السلطاني 99/2011 ومعرفة مدى ممارسة المجلس لصلاحياته وأدواته لكي نكون على بصيرة من أمرنا، ولكي تمضي هذه التجربة وفق تطلعات الجميع، تجنبا لوقوع ركود غير مرغوب فيه من الجميع.

علي بن راشد المطاعني