“ورحل شاهين”

بقلم: إسحاق الحارثي

شاهين أو الشاهين هذا الاسم الذي يعرفه جيدًا العرب وأهل الجزيرة العربية خاصة، ويوصف بالصقر الجوال أحيانًا ويُعد من الصقور الجوارح ذات الكواسر المفترسة في انقضاضه من خلال سرعته الفتاكة المدمرة شديد الضراوة.

إنه إعصار شاهين وما أدراك ما شاهين وبكل ما يحمله من معاني ودلالات وقوة وشجاعة مفرطة حلق بجناحيه على سواحل عُماننا الغالية والعزيزة وخدش بمخالبه السنّانة هذه الأرض الطيبة الوادعة في ليلة لم يتمناها عدوٌ ولا صديق.

لم يتوقع أحد أن هذا الإعصار المدمر وما صاحبه من عواصف ورياح شديدة عاتية وسيول وأمطار غزيرة وفيضانات جارفة وارتفاع في نسبة الأمواج التي لم تنفع معها ما تُسمى بكاسرات الأمواج أن يخلف كل هذا الدمار وينسف جهد وعرق سنين شقى فيها المواطن لتأمين مأوى له ولأسرته الكريمة بين مطرقة القروض وسندان الحياة وما بين ليلة وضحاها يتغير الحال من حالٍ إلى دمار فقد حلق الشاهين فاردًا جناحه فوق كل البيوت عابرًا كل الطرق.

رغم الجهود والاستعدادات المبذولة من قبل اللجنة الوطنية لإدارة الحالات الطارئة ورغم مواكبتها في التحذيرات والتنبيهات المتواصلة بمختلف وسائل الإعلام المختلفة المرئية والمسموعة والمقرؤة والجوالة وبحكم التجارب السابقة الأخيرة التي مرت بها البلاد من كوارث وأعاصير طبيعية متلاحقة كجونو ٢٠٠٧م وفيت ٢٠١٠م وكيلا ٢٠١١م وأشوبا ٢٠١٥م ومكونو(لبان) ٢٠١٨م ومنخفض الحج يوليو ٢٠٢١م إلا أنه لم يتوقع أحد أن يكون شاهين بهذه القوة والشراسة ولكن هكذا هي عين الصقر حادة البصر تفوق كل التوقعات وكل الاحتمالات فقد خدعتنا عين الشاهين حينما كانت تنظر لمسقط بعين العطف والاعتبار فهكذا هي عين الإعصار دائمًا تتميز بالجو الهادي ظاهريًا ولكن في الخفاء هي تعمل وتُعد العدة وتكون رؤيتها الثاقبة مستندة على دعم لوجستي قوامه غيوم ورياح وعواصف وحمل حراري وهواء تصاعدي تشكلت منه تلك العين حتى أصابت ولايات ساحل الباطنة وبشكل كبير ولايات المصنعة والسويق والخابورة.

في ليلة عصيبة حالكة ظلماء بات الجميع ينتظر بزوغ الفجر ويُكذب ما رأته عيناه من هول ذلك المنظر المُخيف ويُمّني النفس أنه حلم عابر إلا أن هذه الحقيقة التي سوف يُدّونها التاريخ ويُوثقها الأجيال في مخليتهم بشتى الطرق والوسائل التي أخيرًا وجدوا ضالتهم فيها.

وكعادتها عمان لم تقف مكفوفة الآيادي ولم تراقب الوضع بصمت ولم تتخلى عن فلذات أكبادها وأبنائها وكل من يقيم على ترابها بل سخرت كل ما بوسعها من عدة وعتاد وسبل للخروج بأقل الضرر من هذه الكارثة الطبيعية التي لا حول ولا قوة لبني آدم بها.

فقد واكبت الحدث لحظة بلحظة من خلال انتشار رجالها الأشاوس في جميع تلك الولايات التي مر بها الإعصار ولم يُخِفهم أو يُثنِهم هذا أمرًا ولم يتخبوا منه بل ظلوا يجابهون ويواجهون بشتى الطرق التي باتت من الأمور المعتادة لديهم في مختلف القطاعات على أرض الإعصار تلبيةً للنداء وخدمةً للوطن وللمواطن والمقيم على هذا التراب الغالي.

بعد أن عبر شاهين وخلف ما خلفه من ضحايا بشرية نسأل الله تعالى أن يتغمدهم بواسع رحمته وأن يُلهم أهالي الفقداء الصبر والسلوان، ومن الآثار البليغه أصبح العُماني يملك ثقافة التكاتف المجتمعي ضاربًا المثل في جانب العمل التطوعي الإنساني ويدًا بيد سوف تعود عُماننا الحبيبة كما كانت بهية وجميلة.

٥ أكتوبر ٢٠٢١م.

المصدر: https://arabinp.com/%d9%88%d8%b1%d8%ad%d9%84-%d8%b4%d8%a7%d9%87%d9%8a%d9%86-%d8%a8%d9%82%d9%84%d9%85-%d8%a5%d8%b3%d8%ad%d8%a7%d9%82-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d8%a7%d8%b1%d8%ab%d9%8a/

شاهد أيضاً

حزمة جديدة من فرص الاستثمار في القطاع الصناعي بالسلطنة

مسقط – العمانية تطرح وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، خلال شهر ديسمبر  الجاري حزمة جديدة …