صفاء الهاشم وعمان.. حب بلا حدود

بقلم:  علي المطاعني

لطالما كان ارتباط البرلمانية الكويتية السابقة، صفاء الهاشم بالسلطنة والشعب العُماني ارتباطًا روحيًا ووجدانيًا نابعًا من نياط قلبٍ مُحبٍ لعُمان وشعبها، وكانت أبدًا ودومًا معنا في السرّاء والضرّاء منذ أول زيارة لها للسلطنة عام 1999، ومنذ ذلك العام عقدت معنا ميثاقًا ممهورًا بالوفاء الصادق والنبيل، إذ تواصلت زياراتها للسلطنة، وسجّل التاريخ لها في صحائفه قولتها الشهيرة (من لم يشاهد السلطنة فإنّه لم يشاهد نصف الدنيا) إلى أن استقرّ بها المطاف أن يكون لها مكان بيننا لتكون أكثر قربًا ووجدانًا ومكانًا.

ولأنّ الكلمات في حد ذاتها لا تعبر تمامًا عن فحواها ومعناها إلا إذا ارتبطت بفعل يمشي على الأرض، ويُرى بالعين المجردة، فصفاء وفي إطار حبها لعُمان وأهلها لم تكتفِ بالكلمات لتعبّر بها عن ذلك الوجد، بل كانت عمليّة تمامًا، فهي ولكي تتعرف على السلطنة محافظاتٍ وولاياتٍ وقرًى فإنّها قامت بزيارة لمعظم ولاياتنا بدءًا من صلالة، فعلت ذلك وهي تقود سيّارتها اللاندروفر بنفسها، وعبر ألف كيلومتر هي المسافة الفاصلة ما بين مسقط وصلالة كانت تتوقف في كل المحطّات والولايات والقرى تتحدث للمواطنين، صغارا وكبارا، شيبا وشبابا، نساءً ورجالا، كل ذلك لكي تتعرف على عُمان من الأعماق لا من السطح الخارجي فقط.

وفي سياق ذلك لا نجد شبرا لم تطأه قدماها، فقد طافت ولايات السلطنة من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، في ترحال جاد للاستمتاع بجماليات الطبيعة المتنوّعة، والمقوّمات الحضاريّة والتاريخية الضاربة في أعماق القدم والأصالة، تجالس البسطاء في القرى والأحياء، وتتجاذب معهم أطراف الحديث كواحدة منهم، وبلهجتها الكويتية الجميلة تضفي طابعًا يمتزج بين خفة الروح وعذوبة الأسلوب والإطراء على شيء تقليدي تراه يمارس من قبل الأهالي، فهي كسياسيّة وبرلمانية محنكة تعلم القيمة الحقيقية التي لا تُقدر بثمن للموروثات التقليدية وللقُى الحضارية.

وإذا كنا نتحدث عن الاستثمار الإيجابي باعتباره هدفا من أهداف الحكومة فإنّ صفاء كانت عمليّة وميدانية في هذا الاتجاه، إذ لها إسهامات واضحة في مجال الاستثمار الإيجابي داخل السلطنة إذ هي فخورة بأنّها بنت لها منزلا بالعاصمة مسقط، لتنطلق منه كمواطنة عُمانية مرحّب بها لتقدم إسهاماتها الجميلة في مجال الاستثمار الذي اختارته ولتقديم مشروعات متكاملة تفيد الشباب العُماني الباحث عن عمل، وغيرها من المشروعات التي تشرف عليها بنفسها.

ولن ننسى لها أبدًا أنّها وعندما كانت نائبة بالبرلمان الكويتي وبالفصاحة والبلاغة اللغويّة واللفظية التي حباها الله بها، كانت أبدا تضرب الأمثال بعُمان في جمال الطبيعة والنظافة وحسن التنظيم، حتى أنّها أشادت باحترام قوانين المرور في السلطنة، وكيف أنّ الكل يحترم المبدأ المروري القائل بأحقيّة القادم من اليسار في الدوارات، وكيف أنّ سواحل السلطنة البحريّة رائعة وجميلة ونظيفة، وكيف أنّ حدائقها غنّاء وناطقة بالاخضرار والجمال الذي يسر الناظرين، لقد كانت تُشيد بالسلطنة في كل المحافل، وتعتبرها نموذجا لما ينبغي أن يكون عليه الحال في البلاد التي تنشُد حسن التنظيم واحترام القانون المفضي لدولة عصرية تمامًا كما أراد لها الراحل السلطان قابوس بن سعيد عليه رحمة الله، وهو ذاته النهج الذي سار عليه جلالة السلطان هيثم بن طارق – حفظه الله ورعاه -.

وفي الأزمة الأخيرة التي تعرّضت لها البلاد فقد كانت صفاء وعبر حساباتها في وسائل التواصل الاجتماعي تشيد دومًا وعاليًا بالالتفاف المجتمعي وغير العادي للمواطنين مع بعضهم بعضا، وكيف أنّهم قدّموا مثالا رائعا لشعوب كوكبنا في الملمّات والخُطوب، وكانت تحض الشباب على تأصيل هذا الحب الجارف لوطنهم، والارتكاز عليه في المستقبل، فهو القوة الضاربة التي تعجز الملمّات عن الإيقاع بها، ومن هنا تستمد الشعوب قوتها وصلابتها.

لقد كانت صفاء حريصة على حض الأمهات والنساء العُمانيات على ممارسة مهن الآباء والأجداد، باعتبارها تراثا يُعتدّ به، ولا ينبغي أن يندثر بأي حال من الأحوال، الأمر الذي يبعث على الارتياح لهذا التعاطي الإيجابي من شخصيّة كويتية مرموقة في الأوساط الخليجية عُرفت بمواقفها الحازمة تجاه قضايا وطنها وأمتها ولا تعرف المجاملة أو أنصاف الحلول، وكانت أبدا صادقة في التعبير عن مشاعرها وأفكارها بدون أي توجس أو مداراة لأحد، فلها منا التحية والتقدير وعظيم الامتنان.

هذه النماذج المتميزة التي تعبر عن حب بلادنا هي ليست من فراغ في هذا العالم المتسع شرقا وغربا، والذي يتجاذب السياح والزوار ويوفر إقامات وتسهيلات، ولكن حب صفاء الهاشم للسلطنة وشعبها لم يكن للاستثمار أو الإقامة، فهي مواطنة أكثر من المواطنين، ولعلّ شغفتها عمان وشعبها حبًا، وأحبت أن تكون السلطنة بلدها كالكويت التي في قلوب العمانيين وكل الشعوب، لما يتميّز به هذا الشعب من دماثة في الخلق، وعفوية في التعامل وكرم في الضيافة وبشاشة الوجوه وابتسامات في المحيا تتسابق بالترحاب بنا كعمانيين، وما صفاء إلا نموذج من هذا الشعب الشقيق الذي لا يتوانى أن يقف مع العمانيين في السرّاء والضرّاء.

فالكتابة عن صفاء الهاشم ماهي إلا نقطة في بحر لرد الجميل لها بالأجمل منه، ومهما كتبنا لن نوفيها حقها وامتنانها لعمان وأهلها، لكن أردنا تسجيل موقف مشرف يعكس في المقابل ما يكنه الشعب العماني لها وللكويت حكومةً وشعبًا، وسيظلون دائمًا في حدقات العيون ورقة القلوب ولهجان الأفئدة أن تكون الكويت وأهلها دائمًا في خير وازدهار.

نأمل أن تكون هذه الكلمات والأسطر ماهي إلا خلجات خطرت في بالنا لتسطيرها في هذه العجالة التي لن توفي صفاء الهاشم والكويت وشعبها.

المصدر: https://shabiba.com/article/id/165751

شاهد أيضاً

السفير السعودي لدى السلطنة: زيارة الأمير محمد بن سلمان تؤكد عمق العلاقات بين البلدين

مسقط – العمانية أكد سعادةُ السفير عبد الله بن سعود العنزي سفير خادم الحرمين الشريفين …