نحو تأهيل أعضاء المجلس في ممارسة العمل البرلماني!

بقلم: علي المطاعني

إنّ نجاح أي منظومة مرتبط بالأساس بمدى التزام أعضاء تلك المنظومة بحزمة اللوائح والقوانين المنظمة لعملها، لأن تلك اللوائح والقوانين تعمل في إطار يرى المصلحة العامة لهذه المنظومة، وتتكفل بوضوح بتنظيم عملها، الذي يصبُّ بالتأكيد في إنجاح الغايات والأهداف التي تعمل المنظومة هذه أو تلك على تحقيقها، فما بالك بمنظومة عمل برلمانية تعد المشاركة في سن القوانين أحد أهم أعمالها. ومن هذا المنطلق فإنه فلابد أن يعطي أصحاب السعادة أعضاء مجلس الشورى القدوة والمثل الأعلى في الالتزام باللوائح والقوانين عمومًا، وعلى رأسها بطبيعة الحال اللوائح والقوانين التي تنظم العمل الداخلي داخل المجلس، وألا يستخدم البعض شعارات رنانة دون الرجوع للوائح والقوانين المنظمة، فتلك اللوائح هي الخط الفاصل ما بين إتمام المجلس عمله على أكمل وجه، وبين فوضى من الصعب تقبلها ممن يمثلون الشعب، ويفترض أن يعملون لصالحه دون النظر لمسائل الشخصية، وإلا سيكون الرد الشعبي على مثل تلك التصرفات، عدم الإيمان بمنظومة عمل المجلس، مما يضع الجميع في موقف شديد الاحراج . الأمر الذي يتطلب من المجلس معالجة هذه الجوانب بإعطاء دورات تأهيلية في ممارسة العمل البرلماني لأعضائه كجزء من التزامات المجلس لترسيخ العمل البرلماني في البلاد على أسس صحيحة. وعلى الرغم أن مجلس الشورى نظم عملية إصدار البيانات العاجلة، ووضع لها قواعد حاكمة لابد أن يلتزم بها كافة الأعضاء، ليكونوا ـ كما قلنا ـ قدوة ومثلًا أعلى للمواطنين في عملية إنفاذ القانون والحرص على تطبيقه والالتزام بقواعده المنظمة، فوفق المادة (57) من قانون مجلس عمان الذي يعدُّ مجلس الشورى أحد جناحيه، يجوز لكل عضو من أعضاء مجلس الشورى أن يطلب كتابة من رئيس المجلس، وقبل موعد الجلسة بوقت كافٍ، وذلك للإدلاء ببيان عن أمر عاجل ومهم يتعلق بالمصلحة العامة للبلاد، وأن يشرح بإيجاز أبعاد الموضوع ودواعي طرحه أمام المجلس، وعلى رئيس المجلس عرض طلبات الأعضاء على المجلس قبل البدء في جدول الأعمال للتصويت عليها دون مناقشة، فإذا وافق أغلبية الحاضرين اذن الرئيس لمقدمي الطلبات بالإدلاء ببياناتهم دون مناقشة، ولا يجوز أن يتعلق البيان العاجل بموضوع محال إلى لجان المجلس، أو بمشروع قانون ينظره المجلس، إلا أن كل ذلك على ما يبدو غائبًا عن الاعضاء إلا المختصين في مجالات القانونية الذين دحضوا ما ورد حول عرقلة إصدار بيان عاجل. وبنظرة سريعة للمادة التي تختص بكيفية إصدار البيان العاجل، نجد المشرع قد حرص على تنظيم مثل تلك الاعمال، أولًا بضرورة تقديم طلب البيان بخطاب كتابي موجه لرئيس المجلس يستبق الجلسة بوقت كافٍ، حتى يتسنى للرئيس اعداد طلب البيان، وطرحه للتصويت (دون مناقشة) على أعضاء المجلس، فإن تمت الموافقة يتم القاء البيان، وفي حالة رفض الاعضاء للبيان العاجل، لا يتم مناقشته أو حتى إلقائه، ومن خلال نظرة معمقة لتلك المادة المنظمة لإصدار البيانات العاجلة من قبل الاعضاء، نجد أن المشرع قد جعل المجلس وأعضاءه في هذه النقطة سيد قراره ـ كما يقولون، وعلى كافة الأعضاء الرضا بنتيجة الديمقراطية في التصويت، لأن الديمقراطية هي لبُّ مشاركتهم في العمل النيابي، وأن الالتزام بالقوانين المنظمة لعمل المجلس سيجعل المواطن الذي انتخب أعضاء المجلس أكثر ثقة في وعي من انتخبهم ممثلين له، ومعبرين عن طموحاته وتوجهاته وعلى المجلس أن يأخذ بعين الاعتبار العمل على تنظيم المزيد من حلقات العمل حول كيفية ممارسة الحق البرلماني من قبل الأعضاء لحماية التجربة من الشطط وانعكاساته على مجمل عملها في البلاد. وهذا بالتأكيد لا يعفي أعضاء أصحاب السعادة من التعرف الدقيق عن اللوائح والقوانين المنظمة لعمل المجلس، قبل الاضطلاع بالمهام، وعليهم اللجوء للخطوات السليمة المنضبطة، بدلًا من اللجوء للرأي العام عبر منصات التواصل الاجتماعي، وندعو الأعضاء إلى الالمام بالقوانين المنظمة حتى يتسنى لهم اتمام واجباتهم تجاه الوطن والمواطن على أكمل وجه، بدلًا من حالة اللغط التي شابت العلاقة بين الأعضاء في الآونة الاخيرة، والتي لا يرضى عاقل أن تظهر إلى العلن، فهذا اللغط يُولّد حالة من عدم الرضا لدى المواطنين على آلية عمل مجلس الشورى.

إن الالتزام بالقوانين والقواعد لا يقلل من شأن من ينفذها، لكنه يرتقي بعمله ويقوم به على أكمل وجه، بل يجب أن يكون منبرًا للعمل الوطني، ويرضى أعضاؤه بكامل لجانهم العاملة بالقوانين المجلس ولوائحه، فنعود ونكرر أن الجهة المنوط بها إصدار التشريعات التي تنظم العلاقة داخل البلاد، لابد أن تتحلى بالقدوة والمسؤولية المطلوبة في الالتزام بالقوانين المنظمة لعملهم، إنها مسألة لا خلاف فيها، لكنها لكي تتم على أكمل وجه تسترعي قراءة متأنية للقوانين والتعرف على الخطوات القانونية الخاصة بممارسة العمل النيابي باحترافية وقيام المجلس بمسؤولياته لتأهيل أعضائه بكيفية ممارسة العمل داخل المجلس وخارجه. بالطبع هناك جهود تبذل للارتقاء بالعملية المشاركة السياسية وفق المرحلة التي تمر بها البلاد من تغيرات هيكلية واسعة يجب أن يواكبها إعطاء جرعة أكبر لعملية تعزز من آليات المراقبة والمتابعة التي تتبناها الدولة كجزء من النهضة المتجددة، إلا أن ذلك لا يتأتى إلا من خلال تطور تجربة الشورى نفسها من خلال المشاركة الفاعلة من جانب ومن خلال ترشيح الأعضاء مؤهلين في الانتخابات وكذلك عمل المجلس دوره في توضيح كيفية ممارسة العمل الديمقراطي. نأمل من أعضاء المجلس تقبّل الرأي الآخر بقلوب واسعة وآذان صاغية مثلما يؤدون دورهم في مراقبة عمل الحكومة وانتقاداتهم لها، وإعطاء الصحافة فرصة لتقول كلمتها في كل الممارسات التي يقوم بها المجلس وأعضاؤه، فهي سلطة رابعة كذلك على كل السلطات.

المصدر: https://shabiba.com/article/id/167018

شاهد أيضاً

فن الدبلوماسية وإتيكيت مقابلات الباحثين عن العمل..

الدكتـور/ سعـدون بن حسين الحمداني دبلوماسي سابق – كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا يتفاخر الدبلوماسيون من …