من باريس: هنا عُمان

في خطوة مباركة، أطلت سلطنتنا العظيمة بوجهها الحضاري العريق وبتاريخها الحافل بالثقافات والأصالة، وبجمال طبيعتها واصالة تقاليدها وتراثها على باريس مدينة الثقافة وصالون الأدب الأوربي على مر العصور، لتصنع لوحة من التناغم بين الوجهين الفرنسي الأوربي والعماني العربي المتأصل، في مبادرة نأمل أن تكون نقطة انطلاق واستمرار في مسيرة عمل جمعية الصحفيين العمانية التي ساهمت في إنجاح هذه الفعالية الدولية، وما أحوج وطننا لمثل هذه الصور المشرفة أمام العالم.
لقد نجحت السلطنة بإبراز دور القوى الناعمة في صنع الواجهة الحقيقية لها أمام العالم، بعيدا عن النزاعات والصراعات، وما جاء به هذا الملتقى يعتبر واحدة من تلك القوى الناعمة التي صاغ أطرها وحدد توجهاتها قائدنا الذي تطلع دائما إلى قيادة السلطنة بحكمة عظيمة وعلى أسس وثوابت لا يمكن أن تتغير أو تتبدل، وبقناعة تامة بأن قوة الدولة لم تعد تقاس بمقدار ما تمتلك من قدرات عسكرية فقط، بل بنوع آخر من القوة سمي بالقوة الناعمة، الذي تبلور كمفهوم جديد في علم العلاقات والسياسة الدولية ، والذي وإن كانت أدواته قد استخدمت قديماً تحت مسميات عديدة مثل الدبلوماسية، والحوار الفكري، والإقناع، والتفاوض، إلا أن أول من استخدم لفظ القوة الناعمة (soft power) هو جوزيف ناي الذي شغل منصب مساعد وزير الدفاع لشؤون الأمن الدولي في الولايات المتحدة الأمريكية حتى عام 1995، وقد ميز ناي بين التأثير غير المباشر للعوامل الثقافية، والأيديولوجية، والإقناعية، ومنظومة القيم في سلوك الآخرين وبين وسائل القوة العسكرية (الصلبة).
من خلال هذه التجربة النوعية لجمعية الصحفيين العمانية وتطلعاتها للانطلاق في فعالياتها وأنشطتها للعالم، فإنها بذلك قد حققت معادلة الشراكة الاجتماعية والتي يمثل طرفاها الجهات الحكومية الرسمية ومؤسسات المجتمع المدني التي تحتم متطلبات التنمية الشاملة في بلادنا مشاركتها الفاعلة جنبا إلى جنب مع القيادة السياسية.
إن امتلاك عناصر القوة، وأشكالها المختلفة، لم يعد كافيا لنجاح الدولة في تحقيق أهداف سياستها الخارجية، وفي التأثير في الآخرين، حيث أصبحت هناك أهمية متزايدة لكيفية توظيف الدولة لما تمتلكه من أشكال للقوة، ومن الثابت وجود تباين في عناصر القوة المعنوية من شعب إلى آخر وذلك تبعا لعدد من العوامل، يبرز من بينها التماسك الاجتماعي، والوحدة الوطنية، والتاريخ والتراث الذي يجمع بين أبناء الشعب ، وعندما تجتمع مقومات القوة المعنوية لدى الشعب فإنه يصبح نموذجا في التحدي والإبداع والخلق، فالإرادة التي يتمتع بها صانع القرار، أي القائد، هي التي تمكنه من استحضار مقومات القوة المادية في اللحظة المناسبة وتحويلها إلى قدرة مؤثرة في أبناء الشعب وفي الآخرين.
فالملتقى هدف الى تعزيز أواصر التعاون والتبادل الثقافي بين الحضارتين العمانية العربية والأوربية، فضلا عن استعراض فرص الاستثمار في هذا المجال مما يسهم في دفع عجلة التنمية الثقافية والعلمية في السلطنة وبهذا يستوي هدف وغاية هذا الملتقى مع أهداف وتوجهات البلاد السياسية، في دور تكاملي تفاعلي ما بين السلطة الرابعة الممثلة بالصحافة والرأي وبين سلطات الدولة الثلاث. خاصة في ظل ما يشهده العالم من تجاوزات على الحريات الصحفية والقيود على الرأي بشكل جعل الصحافة تفقد هيبتها كسلطة رابعة والشواهد كثيرة ويعلمها معظم القارئين والمتابعين.
نحن أمام أفق جديد يفتح الطريق أمام باقي مؤسسات المجتمع المدني العماني لتحذو حذو جمعية الصحفيين العمانية وأن تضع بصماتها واضحة في مسيرة نهضة بلادنا وفي ظل توجهات قائدنا جلالة السلطان قابوس بن سعيد المعظم ـ حفظه الله وأيده بنصره ـ،إنه سميع عليم.
نأمل أن نشهد المزيد من تلك الإنجازات والفعاليات وأن يستمر مثل هذا العطاء لخدمة وطننا الغالي ، كما نأمل أن نرى خطوات مماثلة من قبل الجمعيات والمؤسسات المدنية، معا لنبني وطن السلام، وطن الحضارات، وطننا سلطنة عمان العظيمة.
د. مسعود بن سعيد الحضرمي

جريدة الوطن