دموع على سجاد المساجد

راشد بن حميد الراشدي

عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية

تدور الأفلاك بين الشِّدَّة والرخاء وبين الصبر والسعادة وبين العسر واليسر، ومع هذه الأيام الكريمة السعيدة التي رفع الله بها الغمة عن بلادنا وسائر بلاد العالمين، وجب علينا شكر الله والتقيد بما أمر ونهى والعودة إليه بالعبادات والمعاملات الحسنة لنحظى بلطفه وعفوه ومغفرته.

ومع العودة إلى المساجد بيوت الله في أرضه وعودة الحياة لطبيعتها بعد عام ونصف العام من الشدة والضيق بسبب ما مر على البلاد والعباد من داء استعصى على البشر الشفاء منه، إلا بتيسير من الله، عاد الناس للمساجد متهللين بفرح العودة إلى بيوت الله وأماكن عبادته دون سواه، ومع تلك العودة تخنقك العبرات حزنا على من رحلوا عنَّا وكان لهم مكان بين صفوف المصلين في تلك المساجد.

بالأمس صليت في أحد مساجد مدينتي سناو، ووجدتُ أحد الآباء يصلي بجانبي، وبعد الصلاة سلمت عليه فإذا هو في خشوع يتأمل المسجد وتذرف عيناه بالدمع على سجاد المسجد يبكي بحرقة على من رحلوا من أقرانه الذين لازمهم في صلاته في هذا المسجد سنين طويلة ويستذكرهم مُسهباً في ذكر خصالهم الحميدة. يقول لي: “رحلوا ونحن باقون إلى أن تنتهي آجالنا هم السابقون ونحن اللاحقون ولاحول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم”.

ذرفتُ دموعي معه مستذكرًا من رحلوا عنَّا أيام هذا المرض العضال؛ آباء وأمهات وأقارب، فقد كانت أياما حالكة الظلام. الجميع سيذرف الدمع على سجاد المساجد وهم يستذكرون رواد المساجد من من كانوا يعمرونه بالصلاة وقراءة القرآن.

قال تعالى: “إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَىٰ أُولَٰئِكَ أَن يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ”.

اليوم نذرف جميعاً الدموع على سجاد المساجد داعين الله أن يرفع الغمة كاملة عن العالمين ويغفر لمن رحلوا عنَّا في هدوء بلا وداع ويرحم من بًقي منِّا على قيد الحياة الفانية ويرزقنا حلاوة الأوبة إليه ويجمعنا بمن أحببنا في جنته.

هكذا هي الأيام هي تتداول بين الناس..

قال تعالى: “إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاس ِوَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ”.

ووجب علينا في هذه الأيام ومع هذه النعمة العظيمة المسارعة بالتوبة الخالصة إلى الرحمن ومرضاته.

قال تعالى: “وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ” صدق الله العظيم.

عدنا إلى المساجد نذرف الدمع ونرفع أكف الضراعة إلى الله أن يحيطنا ويكلأنا ويكلأ أوطاننا وسلطاننا وشعوبنا برحمته ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي القدير.

فما زالت عيون المودعين تذرف بالدمع على سجاد المساجد.

المصدر: https://alroya.om/p/288981

شاهد أيضاً

فن الدبلوماسية وإتيكيت مقابلات الباحثين عن العمل..

الدكتـور/ سعـدون بن حسين الحمداني دبلوماسي سابق – كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا يتفاخر الدبلوماسيون من …