حمامة المسجد

‏راشد بن حميد الراشدي **

كان يسبح في ملكوت الله بغفلته ولهوه وملذاته وشهواته منذ نشأته وهو صغير وأيامها كان الجهل والأمية منتشرين بين كثير من أبناء مجتمعه فليس هناك هدف سوى لقمة العيش في بيئة صعبة وفقر أصعب.

تزوج ورزق ابنًا وحيدًا من زوجة كانت سبباً في سعادته وفي حياته لكنه كان عنيداً يعيش ملتهياً بملهيات الحياة وهي تدعوه دوماً نحو الصلاح والرجوع إلى الله فلا حياة لمن تنادي.

تلك الزوجة الصالحة التقية الورعة التي لم يدخل اليأس حياتها لم تيأس أبداً من دعوته كانت- رحمها الله- خلية نحل في بيتها وخارجة تبحث عن رزقها من البيع في الأسواق الأسبوعية بمنطقتها.

كانت مبتسمة المحيا طيبة الخلق معتزة بدينها وخلقها في كل محفل أو ملتقى بأحد. عاش “حمامة المسجد” سنين كثيرة وصلت للستين عامًا وهو في غفلته وفي يوم من الأيام أصيب بمرض في صدره دخل على إثره للعناية الفائقة بين الحياة والموت ظل يُعاني ويكابد رمق الحياة البسيط وكل من حوله قد يئسوا من شفائه.

وبعد مرور ثلاثة أشهر بدأ يتماثل للشفاء وزوجته الحنونة الصالحة ظلت تنتظر هذا اليوم السعيد شاكرة الله على شفائه وخروجه من المستشفى معافى سليم الحال.

بدأت زوجته تدق عليه ناقوس الخطر بعد أن نجاه الله وأنها رحمة من ربك فيجب عليك الرجوع إليه. دانت نفسه وخضعت وانقادت لله رب العالمين فعادت سليمة الفطرة بسبب رحمة ربك والمرض ودعوة زوجته الصالحة التقية.

اغتسل ولبس أفضل الثياب وتاب توبة نصوحاً لربه تبعها بعمل صالح إلى يومنا هذا يتمنى العديد الاقتداء به. إنِّه “حمامة المسجد” الذي لا يعرف من كتاب الله إلا السور القصيرة التي يتلوها في صلواته وسبحته التي تلازمه ليل نهار.

وقبيل كل صلاة وقبل الآذان بوقت كبير تراه في المسجد ينتظر إقامة الصلاة فهو لا يعرف كيف يؤذن لكنه يبقى أول المُصلين حضورا للمسجد كل يوم ومع سبحته يهلل ويكبر ويحمد ويسبح في مكانه المعتاد الذي دأب الجلوس فيه والذي يعرفه مرتادو المسجد.

وفي يوم الجمعة ترى مركبته أول المركبات اصطفافاً في مواقف السيارات وحضوره باكراً لصلاة الجمعة بوقت كبير.

إنه “حمامة المسجد” الذي تعود الناس لقاءه باكراً عند كل صلاة فلا أكبر ولا أفضل من راحة البال مع الله وفي بيوته العامرة بالذكر.

فسبحان الله مُغير الأحوال من حال إلى حال فعندما يوجد التوفيق وتوجد الهمم تتجلى روعة الرجال الصالحين وتنكشف معادنهم الأصيلة وحسن الخاتمة هو الهدف الأسمى الذي يتمنى العبد أن يموت عليه.

رحلت زوجته في يوم عيد وجميع النَّاس تبكي مناقبها الكريمة لكنه هو “حمامة المسجد” من يعرف تلك المؤمنة التي صبرت عليه ووجهته لطاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم فهنيئاً لها أجر الصابرين وهنيئًا له أجر التائبين فلفرحة الله بتوبة عبده وعودته للصلاح أعظم من فرحة الأم بولدها.

جعلنا الله من المُتقين التوابين المتصدقين ورزقنا جناته وأجارنا من عذابه.

“حمامة المسجد” درس لتقوى القلوب.

** عضو مجلس إدارة جمعية الصحفيين العمانية

المصدر: https://alroya.om/p/295076

Check Also

فن الدبلوماسية وإتيكيت مقابلات الباحثين عن العمل..

الدكتـور/ سعـدون بن حسين الحمداني دبلوماسي سابق – كلية عُمان للإدارة والتكنولوجيا يتفاخر الدبلوماسيون من …