حلال لكم و حرام علينا

١٩ نوفمبر، ٢٠١٨

علي بن راشد المطاعني

البعض يغضب من النقد الذي يمارسه الإعلام بحق الجهة أو المؤسسة التي ينتمي لها، وتنتابه حساسية مفرطة تدفعه لصياغة رد عاطفي بحت، متناسيا حقيقة أن الجهة التي يمثلها ينبغي، وفي إطار المصلحة العامة، أن تسعى لتقبل النقد واحترام حرية التعبير والدفاع عنها، من منطلق دورها ومسؤوليتها كإحدى مؤسسات المجتمع.

البعض الآخر لا يدرك أن إحدى وظائف الإعلام الإساسية، تقديم النقد البناء والهادف الذي يعين الجهة أو المؤسسة على أداء دورها وممارسة اختصاصاتها بكفاءة وشفافية. عندما لا تؤمن الجهة أو أعضاؤها وموظفوها بهذا المبدأ فلا يمكن بالطبع إجبارها على تقبل النقد واحترام الرأي الأخر.

أسوق هذه المقدمة للتعليق على حالة الفزع التي أصابت بعض أعضاء وموظفي مجلس الشورى بسبب النقد الموجه لأداء المجلس سواء في وسائل الإعلام أو من المغردين على شبكات التواصل الاجتماعي.

دعونا نتفق أولا على أن مجلس الشورى مؤسسة عامة يمكن أن يطالها النقد كغيرها من مؤسسات الدولة، وأن العضو البرلماني شخصية عامة يجب أن يخضع أداؤه للتقويم، بهدف تطوير تجربة الشورى والوصول بها إلى المستويات التي نطمح جميعا إليها. ولذلك عندما يبدى البعض ملاحظات حول أداء المجلس أو حول الأعضاء ينبغي ألا تقابل هذه الملاحظات بالغضب والهجوم على الإعلاميين والمنتقدين، كما لو كان المجلس وأعضاؤه وموظفوه معصومين من الخطأ، وهذا غير صحيح بالتأكيد. عندما يتلقى المجلس انتقادات فإن ذلك يحدث لأنه يهم الجميع باعتباره الناطق الأول والمعبر عن المواطن وهمومه في كل ولايات ومحافظات السلطنة، ولو لم يكن كذلك لما تحدث عنه أحد. وبناء على ذلك ينبغي على أعضاء المجلس الكرام وموظفيه استيعاب هذه الحقائق وإدراك أن المرحلة تتطلب المزيد من الانفتاح على وسائل الإعلام، وفتح المزيد من الأبواب لتلقي آراء وانتقادات وهموم مختلف شرائح المجتمع في كل المجالات. وبالتالي لا يجب الحجر على الرأي طالما تم التعبير عنه دون تجاوز، أو اتهام صاحبه بعدم المعرفة.
غ
من الضروري أن يدرك المجلس وأعضاؤه وموظفوه أن الإعلام سلطة رابعة يوكل إليها المجتمع متابعة السلطات الثلاثة الأخرى، ومنها السلطة التشريعية التي يمثلها مجلسا الدولة والشورى. وفي ضوء ذلك فإن للإعلام الحق في إبداء الملاحظات وانتقاد الممارسات التي يرى أنها غير صحيحة واقتراح البدائل الصحيحة.

من المؤكد أن الإعلاميين في السلطنة يعرفون مهامهم وواجباتهم جيدا، حتى وإن كان بعضهم غير متخصصين في الشؤون البرلمانية. فالكاتب والصحفي الرياضي على سبيل المثال قد يرى عبر نظرته الثاقبة أمرا ما خاطئا خارج المجال الرياضي، ومن حقه أن يعبر عن ذلك باعتباره فردا من أفراد المجتمع. في هذه الحالة لا يمكن للجهة المعنية بالنقد أن تمتنع عن الرد عليه بدعوى أنه غير متخصص، لأن الممارسة الإعلامية ليست كممارسة الطب على سبيل المثال. فطبيب العيون لا يمكنه معالجة كسر في اليد أو القدم. الأمر يختلف تماما في الإعلام، إذ يستطيع الصحفي المتخصص في شؤون الأدب أو الرياضة أو الاقتصاد أن يبدى رأيه في أداء وممارسات مجلس الشورى وفي كل القضايا التي يهتم بها المجتمع، وإن كنا بالطبع نفضل أن يكون لدينا إعلاميون متخصصون في الشؤون البرلمانية قادرون على كشف الحقائق وتقويم عمل مجلس الشورى.

إن الرد أن النقد لا يتسم بالحيادية أو الموضوعية ما هو إلا حيلة العاجز، ويشير إلى جهل صاحب الرد بما يقوم به الإعلام من نقد لمؤسسات المجتمع الأخرى. أما الزعم أن توجيه النقد للمجلس له مآرب أخرى غير تلك المشار إليها والمشروعة قانونا وعرفا فهو قول لا أساس له من الصحة، ولا يخرج عن كونه مخاوف لا يسندها دليل ولا تقوم على منطق واضح وثابت يشد من عضدها ويجعلها قابلة للتصديق من كل صاحب بصر وبصيرة، وبالتالي لا ينبغي الالتفات إليها.

يجب أن يرحب الجميع بالنقد البناء الذي يركز على ممارسات المجلس وممارسات أعضائه عندما لا تتسق هذه الممارسات مع النظم وتخرج عن الأعراف والقيم، وعندما يتعامل بعض الأعضاء مع المواطنين وكأنهم مرضى، وعندما تتحول جلسات التنسيق بين مجلس الوزراء ومجلسي الدولة والشورى إلى ساحة لتقديم الطلبات العامة والخاصة مشفوعة برسائل توصية في مشهد لا يسر الناظرين، وعندما تتحول قبة البرلمان إلى فوضى، وعندما تخلو قاعة المجلس من الأعضاء، هنا يأتي دور النقد البناء والهادف الذي يستهدف تصحيح الصورة.

وإذا كان البعض يقر أن اختصاصات مجلس الشورى التشريعية والرقابية والمالية غير مكتملة فإننا نعتقد أن المجلس نفسه يجب عليه العمل للحصول على كل اختصاصاته، وبالتالي من غير المقبول أن يستخدم هذا الدفع كمبرر. وفي تقديري أن الكثير من صلاحيات واختصاصات المجلس لم تمارس بعد بشكل كامل ودقيق، ولذلك يصبح من باب تفعيل الاختصاصات التي لم يستغلها المجلس قبل المطالبة بالمزيد من الصلاحيات.

صحيح أن أعضاء مجلس الشورى يقدمون خدمات للمواطنين والناخبين، وبالتالي يستحقون الإشادة على ذلك، ومع ذلك ينبغي أن يتذكر أعضاء المجلس أن دورهم التشريعي يأتي في المقام الأول، وبالتالي فإن عليهم التركيز على دورهم في وضع الاستراتيجيات والخطط واقتراح القوانين أكثر من التركيز على تقديم الخدمات للناخبين التي تمثل قفزا على اختصاصات المجالس البلدية، وهي مجالس خدمية في الأساس. إن خدمة المواطنين لا يجب أن تحول أعضاء وموظفي المجلس إلى مندوبي علاقات عامة لتخليص المعاملات، وعليهم عدم الدفع بالتجاوزات في العمل الإداري وبث ثقافة في المجتمع تقوم على المحاباة والوساطة، وإنما الالتزام بالنظم والقوانين التي يجب أن تطبق على الجميع.

ما نريد قوله إن أعضاء وموظفي مجلس الشورى ينبغي عليهم تحمل النقد وتقبله بصدر رحب مثلما يمارسون النقد على غيرهم، إذ لا يعقل أن يكون النقد حلالا لهم وحراما على غيرهم، ونحسب بأنهم يتفقون معنا في ذلك.

نأمل ختاما أن تتسع صدورنا جميعا لتقبل النقد، وأن نقدم حسن النوايا على ما عداها، وان نجعل مصلحة الوطن هي الشعار المرفوع في معترك العمل العام، وجميعنا يتطلع إلى أن يرى مجلس الشورى في أبهى وأروع صوره.